فخر الدين الرازي
125
تفسير الرازي
لا تحصل إلا بذبحها ويجوز أن يكون الحال فيها وفي غيرها على السوية والأقرب هو الأول ، لأنه لو قام غيرها مقامها لما وجبت على التعيين ، بل على التخير بينها وبين غيرها وههنا سؤالان : السؤال الأول : ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أن الله تعالى قادر على أن يحييه ابتداء ؟ الجواب : الفائدة فيه لتكون الحجة أوكد وعن الحيلة أبعد فقد كان يجوز لملحد أن يوهم أن موسى عليه السلام إنما أحياه بضرب من السحر والحيلة ، فإنه إذا حيي عندما يضرب بقطعة من البقرة المذبوحة انتفت الشبهة في أنه لم يحي بشيء انتقل إليه من الجسم الذي ضرب به ، إذا كان ذلك إنما حيي بفعل فعلوه هم ، فدل ذلك على أن إعلام الأنبياء إنما يكون من عند الله لا بتمويه من العباد وأيضاً فتقديم القربان مما يعظم أمر القربان . السؤال الثاني : هلا أمر بذبح غير البقرة ، وأجابوا بأن الكلام في غيرها لو أمروا به كالكلام فيه ، ثم ذكروا فيها فوائد ، منها التقرب بالقربان الذي كانت العادة به جارية ولأن هذا القربان كان عندهم من أعظم القرابين ولما فيه من مزيد الثواب لتحمل الكلفة في تحصيل هذه البقرة على غلاء ثمنها ، ولما فيه من حصول المال العظيم لمالك البقرة . المسألة الرابعة : اختلفوا في أن ذلك البعض الذي ضربوا القتيل به ما هو ؟ والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به ، فإنهم كانوا ممتثلين لمقتضى قوله : * ( اضربوه ببعضها ) * والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العهدة على ما ثبت في أصول الفقه ، وذلك يقتضي التخيير . واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل : لسانها وقيل : فخذها اليمنى وقيل : ذنبها وقيل : العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الآذان ، وقيل : البضعة بين الكتفين ، ولا شك أن القرآن لا يدل عليه فإن ورد خبر صحيح قبل وإلا وجب السكوت عنه . المسألة الخامسة : في الكلام محذوف والتقدير ، فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيي إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله تعالى : * ( كذلك يحيي الله الموتى ) * وعليه هو كقوله تعالى : * ( اضرب بعصاك الحجر فانفجرت ) * ( البقرة : 60 ) أي فضرب فانفجرت ، روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً ، وقال قتلني فلان ، وفلان لابني عمه ثم سقط ميتاً : وقتلاً . أما قوله تعالى : * ( كذلك يحيي الله الموتى ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في هذه الآية وجهان : أحدهما : أن يكون إشارة إلى نفس ذلك الميت . والثاني : أنه احتجاج في صحة الإعادة ، ثم هذا الاحتجاج أهو على المشركين أو على غيرهم ؟ فيه وجهان . الأول : قال الأصم : إنه على المشركين لأنه إن ظهر لهم بالتواتر أن هذا الإحياء قد كان على هذا الوجه علموا صحة الإعادة ، وإن لم يظهر ذلك بالتواتر فإنه يكون داعية لهم إلى التفكر . قال القاضي : وهذا هو الأقرب لأنه تقدم منه تعالى ذكر الأمر بالضرب وأنه سبب إحياء ذلك